منير سلطان
116
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وأما عن قوة التعبير القرآني وصدقه لصدوره عن اللّه سبحانه ، فنستطيع أن نتبينها إذا نظرنا إلى نتاج الشعراء أو الكتاب ، فنحن حين نقرأ لعنترة أو لأبى فراس أو للمتنبى شعرا في الشجاعة والبطولة والحروب نجد لشعرهم صدقا ونبضا وحياة نابعة من طبيعتهم الشجاعة ومن ممارستهم للحروب ، والأمر يختلف لو قرأنا لابن الرومي شعرا فيه أنه جال وصال وفتك بالأعداء ، وكذا لأبى نواس ولحماد عجرد وغيرهم ممن لم يكن لهم في الحرب باع . أي أن هناك لونا من التعبير يصدق فيه الشاعر مع نفسه حين يتعرض له لأنه يتفق وطبيعته ، ويجد نفسه منطلقة في سلاسة وسهولة بلا تصنع ولا كذب . يقول الباقلاني : ألا ترى أن الشعر في التغزل إذا صدر عن محب كان أرق وأحسن ، وإذا صدر عن متعمّل وحصل من متصنع نادى على نفسه بالمداجاة ، وأخبر عن خبيئه بالمراياة ، وأنت تجد لابن المعتز في موقع شعره من القلب في الفخر وغيره ما لا تجده لغيره إذا قال : إذا شئت أوقرت البلاد حوافرا * وسارت ورائي هاشم ونزار وعم السّماء النّقع حتى كأنه * دخان وأطراف الريّاح شرار تعلم أنه ملك الشعر ، وأنه يليق به من الفخر خاصة ، ثم يتبعه مما يتعاطاه ، ما لا يليق بغيره ، بل ينفر عن سواه ، وكما ترى في قول أبى فراس الحمداني في نفسك إذا قال : ولا أصبح الحىّ الخلوف بغارة * ولا الجيش ما لم تأته قبلي النّذر والشيء إذا صدر من أهله ، وبدأ من أصله ، وانتسب إلى ذويه ، سلم في نفسه ، وبانت فخامته ، وشواهد أثر الاستحقاق فيه ، وإذا صدر من متكلف ، وبدأ من متصنع ، بان أثر الغربة عليه وظهرت مخايل الاستيحاش فيه ، وعرف شمائل التحير منه « 1 » .
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 277 إلى 280 .